
حين أمكث في محراب كتاب "مجاز الغياب" للشاعرة السورية ربا أبو طوق، وأعبر نصوصه النثرية الكاملة والممتدة، أجدني ألج في معملٍ تفسيريٍّ يُعيد هندسة الفضاء والتاريخ والجسد المادي بأسره، لتنتظم العلاقات بين الذات الفاعلة والكون الممتد في أزلية السيولة المطلقة [2، 3]. وفي هذا الصباح، نعلن الانعتاق الصريح من رتابة الوقت وسخافة الساعات الموقوتة التي تقيد أنفاسنا. لستُ أمام امرأة عابرة تكتب كلاماً عادياً، بل أمام التجلّي الوجودي الأول الذي يمنح العدم معناه، ويزلزل ركود هذا العالم ليخلق من فوضاه جمالاً مذهلاً. إن الحضور اللامعقول في هذا الكتاب يشبه لوحة سريالية متمردة، تسيل فيها الجبال كالشمع أمام رقة الطيف، وتلغي العيون منطق الليل والنهار لتكون الشاعرة هي اليقين الوحيد الصارخ وسط عالم مليء بالشكوك والأقنعة.
لقد لمستُ في قصائد ربا أبو طوق روح التمرد الواضحة والهادرة، ولكنني هنا، ومن خلال سبر الأغوار العميقة لنثرها، أفتح باباً خفياً لم يتنبه له الكثيرون؛ باباً يكشف كيف يختبئ الكون بكامله داخل كائن ضئيل، وكيف يكون الانسحاب والغياب واختيار "اللاشيء" والذوبان العذب هو أعلى درجات السيادة والحرية المطلقة.
"إن الوجود الحقيقي لا يُقاس بالاتساع المادي الذي نحتله في الجغرافيا، بل بالعمق الذي نتركه في جدار الذاكرة حين نختار الاختفاء."
— د. فادي سيدو
إنني في هذه الدراسة لستُ ناقداً يبحث في أوراق النقد الجافة، بل أنا مفكر عاصر لحظة التكوين وتتبع نبض الكلمات وهي تخرج من معطف الوجع. الفكرة هنا بسيطة وواضحة ومهداة إلى كل الشعراء والقراء التواقين لتنفس العطر الجريء وعزف اللحن الحر؛ إنها دراسة تتأمل كيف يلوذ الكائن اللامتناهي بحيز متناهٍ ضيق ومحارة مغلقة ليحمي طهارة روحه، وكيف يصبح الصمت والغياب والهروب هو الانتصار الحقيقي والوحيد في زمن الحروب، والخذلان، والمطابخ الفاخرة، والمدن الميتة وسقوف الغربة الباردة. ومن هنا تنطلق القراءة النقدية لتكشف تفاصيل هذا السر الوجودي الباهر من خلال هندسة هذه الصفحات الست المنسابة المتصلة التي تجمع بين وافر الأمثلة المنتقاة وسلاسل الربط السريالية والمقولات المعرفية التي تجعل النصوص ذواتاً تتحاور فيما بينها داخل فضاء التلقي المعرفي.
أبدأ بالدخول إلى الباب الخفي عبر تأمل تلك المفارقة المذهلة بين روحٍ تحمل سحر بابل وتوهج الوردة الأسطورية الخالدة، وبين واقع مادي خانق يتبدى في عبارة نص (وردة الأمارانتاين) حين أرقب قولها: "لكنّ البلاد المكمّمة لا تعترف بالعطر الجريء". إنني لا أرى هنا امرأة عابرة، بل كينونة أسطورية تتجسد في المتن: "هي (وردة الأمارانتاين) في توهجها الأسطوري". إنني أتتبع طيفها النادر الذي "لا تستوعب ذاكرة الأرض كيف يحيا في شموخ عينيها سحر بابل", وتمر على القلوب "وكأنها هبّةٌ من نفحات هاروت". لكن هذه القوة المطلقة تصطدم مباشرة بجدار الواقع القمعي؛ لتدخل في مأزق كينوني حاد تلخصه عبارتها الحزينة: "أم أنني هنا مع ما كتبتُ... وحيدة".

ويا الله كيف يمكن لوعي طليق يرى أن "السماء أضعف من طموحها الأنثوي" أن يُحجز داخل إطار مادي ضيق؟ إنني أرافق الشاعرة وأنا أشهد اللامعقول السريالي في أبهى صوره البسيطة حين تعلن: "أين أنا الآن...؟ سألتْ وهي تطوف بخيالها داخل علبة كبريتٍ فارهة". "علبة الكبريت الفارهة" هي الرمز الأبلغ لركود الوجود، حيث تتلاشى صدمة الحجم أمام اتساع الفكرة، بينما يأتيك صوت المدينة "كومضة مغشيةٍ ثم تلاشى" ليأمر بالثورة: "أشعلي قلبكِ لينطفئ الخداع واصنعي عالماً أنقى للمتعبين الجياع". إنه احتجاز يفضح عجز العالم الذي يكتفي فيه كواكب الملكوت البعيد "بالتفرج على الـ (هابيل) والـ (قابيل)" دون حراك. وأمام مدخنة الحرب التاريخية التي طمرتها الجذور منذ عصور، وأمام تنمر الصباح الذي يزيح الليل "منكراً... مطروداً من ولايته"، أرى الذات تمارس تمردها الخفي والعبقري عبر الانكماش التطهيري والالتفاف حول الضآلة المادية: "نوَتْ... وهي تلفلف نفسها على جسدها الضئيل وتفرك يداً على يد" لتظفر بـ "دفءٍ خالٍ من المَنِّ والأذى".
"الأجسام الكبيرة قد تخنق الروح، لكن الجسد الضئيل يغدو أحياناً اتساعاً كونياً لا تطاله مسامير القيود."
— د. فادي سيدو
وهذا الجسد الضئيل المحاصر ينفتح بسلاسة سريالية مدهشة على أفق الجغرافيا الممزقة، لينتقل التحليل مباشرة إلى حركة الأقدام الهاربة من تكميم البلاد نحو طهارة التراب الأولى البديلة.

وأنا أتبع مسير الذات الشاعرة في شوارع المعاناة داخل نص (في الطريق إليك)، ألمس اغتراباً كينونياً يرفض الأطر الجاهزة التي تصنعها التواريخ الزائفة؛ إنني أسمع العبارة النقدية بضمير المتكلم: "كان مسيري في شوارعِ المُدن الباردة لا يبدي ولاءً لتاريخٍ معيّن". وأجد في هذا الرفض عودة نقية إلى جينالوجيا الفطرة الأولى حين تعلن العبارة: "فالانتماءُ الوحيد الذي لن يخذلني هو التّراب". وعندما يحملنا الخراب وحدهنا وزر مجانينه، نجد أنفسنا نلوح للوطن بأعذارنا السارية بينما تنكرنا عيونه، ليتحول الحنين إلى تلك الديار إلى "شعور عضال".
وهنا أرقب مشهداً سريالياً غاية في الكثافة والبساطة يقلب القوانين: "انكمش ظلي ولم يعد قادراً على استيعاب وحدتي". هذا التقلص في مساحة الظل هو صرخة الروح التي ضاقت بالوحدة المادية، وتبحث عن آخر "مكتنز بالحياة"، ليكون "بطلاً أو حتى رجلاً عادياً"، كي يتكاثف الشغف على بلور شهامته و "يعيش انصهار الحب هويةً واحدة". وتصل الذات هنا إلى ذروة الانقلاب على المفاهيم وقوانين الجغرافيا الصلبة؛ فالعشق لكي يعيش، يجب أن يسحق كل الخطوط والحدود الكتلية. إنني أشهد اللحظة المدوية الحاسمة التي يطلقها النص في ختامه الثائر ليعلن نصر الروح الكامل: "هكذا أسحب البساط من تحت الخرائط، وينقلب العمر على سلطة الأرقام". الخرائط التي تقيد الأرض، والأرقام التي تقيد الساعات، تتحطم كلياً أمام سيادة الوعي الحر الذي يتكور لاحقاً هرباً من سلطة الأرقام ليحتمي بملجأ الزمن الخاص.

وكنا معاً في لحظة كسر المرابط العنيفة داخل نص (وثير صدرك)، حين نزعت الذات نفسها بعنف وتحدٍ عن ركود الوجود: "بالكادِ نزعتُني عن وثير صِدرك". ورغم تعثرها بـ "نشوة لا تزال برونَقها"، إلا أنها تمضي بوعي حاسم ومثابر "متكهّفةً بحلمها السَّرمدي". وفي هذا الفضاء الاغترابي، يتحول وجه الحبيب إلى "قنديل سماوي" بعيد، بينما تفجر الذات اللامعقول الكوني حين تعلن: "والوحشة تزأرُ في فراغ الصَّمت"، لتجد نفسها تتفتح وسط الوجع "ليلكةً يتيمة العطر" تتلفت بين يمين الخيبة وشمالها.
وتجسد الشاعرة المفاهيم النفسية ببراعة مذهلة تجعلها كائنات حسية مرعبة تقف في وجه الكائن؛ إنني أرقب معها الحركة المباغتة للزمن والوقت: "والوحدة عجوز قاطعةُ طَريق أخافُ أن تنهبَ مشاهد الحنان في ذاكرتي المتآكلة فأُكملَ مفلسةً من تاريخي المتوّردِ مَعك". وأمام قبضة الغياب، لا تقف الذات مستسلمة للعدم البارد، بل تمارس تحويلاً مذهلاً للألم عبر تضييق الحيز؛ إنني أراها وهي تتجاوز عجز المادة عبر العبارة: "أتكوّر على لهفتي في محارةِ الوقت وجعاً مموّه بالبريق اللؤلؤي".
"حين تضيق بنا فضاءات الغياب الباردة، لا نملك إلا أن نتكوّر في أقصى نقاط ذواتنا، لنصنع من جمر الألم لؤلؤة الصمود."
— د. فادي سيدو

الاحتماء بالمحارة الصغيرة هنا هو قوة الانكماش التي ترفض الجمود؛ حيث يصنع النص من الحزن طاقة تطهيرية باهرة تقاوم الفناء، وتطلق نداءها الكوزمي للسماء بانتظار "معجزة تخطفنا من قبضة الغياب". هذا التكور داخل محارة الوقت ينتقل سريالياً لينسج اتصالاً دلالياً فريداً مع فكرة كسر القيود العروضية؛ فالمحارة التي تحبس اللهفة تتحول إلى إيقاع حر يرفض أن تحبسه بحور الشعر أو سلاسل الأوزان التقليدية.

وهنا أرى العصيان ينتقل من قوانين المادة إلى قوانين النص الشعري نفسه داخل نص (وحدك... لا شبيه لك)؛ فالإيقاع يتحرر ويرفض القوالب المقننة الجاهزة: "كلّما التقطتُ خيطَ البوح شددتُ السَّراب إلي، ولأنك تسكن مدناً تجهلها القوافي، لا بحرَ لقصيدتي عنك، فإيقاعك المتمرّد يأبى الخضوع لحتمية الوزن". إنني ألمس هنا كيف تعلن الذات النثرية كسر الهياكل العروضية الكلاسيكية لأنها تعجز عن احتجاز البوح، مؤكدة أن كلمات الشوق أضيق من أن تحبس عينيه اللتين تفوقان هندسة الكون الثابت؛ فيداه "خارطتان مبهمتان لأوردةٍ تحمل زمرة الشَّرود"، وقلبه "روايةٌ ألّفها العشق وتركها بلا فصلٍ أخير".
هذا الغموض يؤسس للاختلاف الحاد وفجوة الشبه: "أنا لا أشبهك حين أبحث عن عناقيد كرمةٍ أتفيّأ خمرها، بينما أنت... تمرّغ أفكارك بزحمة الفصول ومرارة المواسم... أنا لا أشبهك حين تستسلم روحي المتعبة وتغفو على أرجوحة النّسمات الحالمة، بينما أنت... تقحم أنفاسكَ اللاهثة في صخب الأنام". وتصل السيادة بالغياب والتلاشي الاختياري إلى ذروتها الفلسفية الأكثر جرأة في الختام؛ فبعد أن تمنح الذات للمحبوب كامل الألقاب: "لكَ أن تأتي يا سيّد الحضور، لكَ أن تغيب يا سيّد الغياب"، تطلق ضربتها الحاسمة لحماية كينونتها: "ولي... ألاّ أكون عند عودتك". إن قرار "ألا أكون" هو قمة التمرد الخفي والحرية التي تتعدى الوجود المادي، لتلتحم سريالياً بجسد سائل يهرب من مسامير التابوت نحو فضاء الانعتاق.