10 قراءة دقيقة
توطئة رواية الكوجيتو: وهم الثبات | بقلم الباحث فادي سيدو | مجلة رصيف 81 الثقافية الألمانية

رواية الكوجيتو للباحث و المفكر الكوردي الألماني فادي جميل سيدو

تخيل أنك تعود فجأة إلى المكان الذي نشأت فيه، إلى النهر الذي كنت تغمس قدميك فيه بلا خوف، فتجد أن ما بدا لك يومًا ثابتًا صار غريبًا عنك. الماء هو الماء، تقول لنفسك، ولكن إحساسك به تغيّر، درجة برودته تغيّرت، بل وربما الشخص الذي يقف على ضفته لم يعد الشخص نفسه الذي كان يضحك هناك قبل سنوات. أن تكتشف هذا الفرق في اللحظة التي تلمس فيها قدميك الماء يشبه ومضة برق تكشف المشهد بأكمله قبل أن يختفي مرة أخرى في عتمة الاعتياد. هذه الومضة هي ما دفعني إلى كتابة رواية الكوجيتو: وهم الثبات، وأظن أن السبب الذي يجعلك تقرأ هذه السطور الآن هو أنك أنت أيضًا شعرت يومًا بتلك الومضة.

لطالما اعتقد كثيرون أن التغيير مسألة سطحية، تفاصيل صغيرة على هامش حياة تظل في جوهرها هي هي. لكن ماذا لو كان العكس هو الصحيح، وماذا لو كان ما نسمّيه «الثبات» مجرد خدعة بصرية صنعها عقل يحب الأمان ويتوجس من الغموض؟ هذه الفكرة ليست جديدة تمامًا، فهيراقليطس قبل ألفين وخمسمئة عام قال عبارته الشهيرة: «لا يمكنك أن تخطو في النهر نفسه مرتين». ومع ذلك، ما يزال معظمنا يعيش وكأنه يستطيع أن يفعل ذلك. نكتب خططنا لخمس سنوات ونؤمن أننا سنكون هنا، وفي هذه الوظيفة، ومع هؤلاء الناس كما لو كانت الحياة عقد إيجار طويل الأمد. لكن الحياة لا تقرأ عقودنا، ولا تهتم بطمأنينتنا، بل تتحرك بإيقاعها الخاص، وتدعونا ـ بل تدفعنا أحيانًا ـ إلى الرقص معها سواء أُعجبنا اللحن أم لا.

حين فقد بطل هذه الرواية، ليث، وظيفته في البنك لأن الخوارزميات أصبحت أسرع منه في الحساب، وجد نفسه عاريًا أمام سؤال لم يطرحه بجدية من قبل: «من أنا عندما يتغير كل شيء حولي؟» هذا السؤال، كما ستلمس عبر الفصول، ليس سؤال ليث وحده، بل هو سؤال عصر بأكمله يعيش ثورة تقنية واجتماعية وثقافية لم تشهد البشرية مثل سرعتها من قبل. ربما تسأل: «حسنًا، قرأت كتبًا عن التطور التكنولوجي وعن إدارة التغيير، فما الجديد هنا؟» الجديد ـ أو المختلف على الأقل ـ أنني لا أقدّم لك وصفة جاهزة أو قائمة نصائح من عشر خطوات لكيفية التأقلم، بل أصحبك في حكاية ممتدة تمزج السرد الأدبي بالتأمل الفلسفي، فتجد نفسك تتنقّل بين ضفاف نهر الصغر، وأروقة بنك حديث، وأرفف مكتبة قديمة، وفي كل محطة يتكشّف معنى آخر لكلمة «أنا».

أحد المحاور الأساسية في هذه الرحلة هي الهوية المرنة، فكرة أن الإنسان لا يحمل بطاقة ثابتة تحدده، بل شبكة متحركة من الذكريات والعواطف والعلاقات والاحتمالات. أُريدكم أن تتعاملوا مع هويتنا ككائن حي يتنفس ويتحوّل، لا كتمثال رخام نحرسه من التشققات. محور ثانٍ هو علاقة الخوف بالذاكرة؛ الخوف من المستقبل غالبًا ما يتنكر في هيئة حنين إلى ماضٍ راسخ. وفي قصتنا ترى ليث وهو يتشبث بمكتبه في البنك، لا لأن المكتب مهم في ذاته، بل لأنه يرمز إلى زمن كان يظنه بطيئًا ومنضبطًا. المحور الثالث يتمثل في دور الفلسفة العملية، كيف يمكن لفكرة قالها فيلسوف إغريقي عجوز أن تساعد شابًّا فقد عمله على فهم سوق العمل في القرن الحادي والعشرين. وأخيرًا، هناك محور التقنية بوصفها مرآة ضخمة تعكس هشاشتنا. الآلات ليست عدوًّا، لكنها أيضًا لا تملك قلبًا يستوعب دموعنا؛ إنها اختبار يومي لمدى قدرتنا على التطور.

قد تتساءل لمن كُتِبت هذه الرواية. سأجيبك بصراحة: لك إذا كنت تشعر أحيانًا بأن العالم يركض أسرع من معدل نبض قلبك. لك إذا كنت تقاوم تحديثًا جديدًا لهاتفك لأنك تخشى أن يغيّر الواجهة المألوفة. لك أيضًا إذا كنت متحمسًا للتغيير لكنك تريد بوصلة ذهنية تمنحك قدرًا من المعنى في وسط هذه الدوامة. هي رواية للقارئ الذي يحب الحكاية بقدر ما يحب الفكرة، وللشاب الذي يقف عند مفترق طريق مهني، وللأب الذي يرى أبناءه يتحدثون بلغة برمجية لا يفهمها، وللمدرّسة التي تسأل كيف تُدرِّس ثوابت الرياضيات في عالم تتغير فيه الأرقام على شاشاتها كل ثانية.

ما الذي ستخرج به بعد أن تطوي الصفحة الأخيرة؟ أول ما أتمناه هو شعور خفيف لكنه حقيقي بأنك لست وحدك في صراعك مع التبدل. ستجد بين السطور أمثلة وحوارات قد تذكرك بمواقف عشتها، فتدرك أن قلقك جزء من شرط بشري عام، لا علامة على خلل شخصي. ثانيًا، ستكتسب مفردات مُعاشة تساعدك على تسمية ما تشعر به. تسمية المشاعر والخبرات قوة؛ حين تقول «هذا حنين» أو «هذا خوف» يصبح بإمكانك التحرك بدل الشلل. ثالثًا، ستلمس إطارًا عمليًّا مرنًا يجمع بين الفلسفة وعلم النفس حتى تمتحن قراراتك القادمة: هل أُغيّر وظيفتي؟ هل أدرس تخصّصًا جديدًا؟ هل أنهي علاقة لم تعد تشبهني؟ لن تجد إجابات نهائية، لكنك ستتعلم كيف تسأل الأسئلة الصحيحة. وأخيرًا، أرجو أن تتلقّى دعوة مفتوحة لتختبر النهر بنفسك؛ لتضع يدك في الماء مرة واثنتين وألفًا، وتلاحظ كل مرة الاختلاف البسيط الجميل.

ربما تفكر الآن: «لكن أليست هذه النظرة إلى التغيير مثالية قليلًا؟ ماذا عن الألم الحقيقي، عن فقدان شخص نحبه أو ضياع حلم قضينا سنوات نبنيه؟» ليث يطرح هذا السؤال نفسه في منتصف الطريق عندما يكتشف رسالة جده: «لا تقاوم التيار». سنمر معه بمرحلة إنكار وغضب وحزن حتى نصل إلى شكل من القبول. لا أخفيك، ليس قبولًا سلسًا، بل مصالحة مشروطة مع الحقيقة القاسية: الألم جزء من التغيير، لكنه ليس كل الحكاية. مثلما تتحطم أمواج عالية على صخور الشاطئ ثم تعود مياهًا هادئة، يعود الإنسان ليجمع قطع نفسه ويعيد تشكيلها، وربما يصبح أجمل مما كان.

وحتى لا يبدو الكلام نظريًا، سأشاركك تجربة شخصية. قبل عامين، وجدت نفسي أمام شاشة فارغة بعد أن أغلقت المجلة التي كنت أكتب فيها عمودًا أسبوعيًا لسبع سنوات. شعرت يومها كمن يُسحب الكرسي من تحته. لم أعرف أين أكتب ولا لمن. بعد أيام من التذمر اكتشفت أنني أستطيع إنشاء نشرة بريدية والوصول مباشرة إلى القراء بلا وساطة. تعلمت أدوات جديدة، أخطأت، صحّحت، ومع الوقت صار التغيير الذي خشيت منه بابًا رحبًا. أحكي هذا لأقول إن ما سنقرأه مع ليث ليس مسرحية خيالية، بل مرآة خبرات حقيقية تتكرر بصيغ متعددة حولنا جميعًا.

ستجد بين طيّات الرواية مشاهد قصيرة تستعيد ذاكرة الطفولة وأخرى تغوص في حاضر شديد التعقيد. ستقف مع ليث عند البنك، وتستمع إلى هدير الخادم الآلي وهو يمضغ الأرقام، ثم ترافقه إلى المكتبة ليسأل نادية: «هل التغيير مؤلم دائمًا؟» فيضحك القارئ الداخلي فيك لأنك تريد أن تعرف الإجابة بدورك. ستشرب القهوة معهما بينما تتصفح كتابًا قديمًا عن سقراط، ثم تسمع ضجيج آلات الحفر في الشارع، وتدرك أن المدينة كلها في حالة جراحة مفتوحة. هذا التمازج بين السرد والتأمل، بين العاطفة والفكرة، هو الأسلوب الذي اخترته لأقنعك أن الفلسفة ليست حكرًا على الأبراج العاجية، وأن القصص ليست مجرد تسلية مسائية، بل أدوات معرفية تستطيع أن تغيّر زاوية رؤيتك للعالم.

قد يبدو العنوان «الكوجيتو: وهم الثبات» تحديًا للذاكرة المدرسية، فنحن نحفظ أن الكوجيتو الديكارتي هو «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، أي يقين صلب في بحر الشكوك. لكنني أدعوك إلى اختبار الفكرة من جديد: ماذا لو كان التفكير نفسه عملية مستمرة لا تثبت أبدًا؟ ماذا لو كان وجودنا قائمًا على حركة دائمة بين صور متبدلة لذاتنا؟ الوهم إذن ليس أننا نفكر، بل أننا نحيا في ثبات. وفي كل فصل من الفصول المئة والعشرين ستتشقق طبقة أخرى من هذا الوهم حتى نصل مع ليث ونادية إلى سؤال محوري: إذا كانت الحركة قدرنا، فكيف نصنع من هذه الحركة وطناً داخليًا نتكئ عليه؟

أنا لا أقدّم إجابة جاهزة، لكنني أقترح إطارًا: أن نضع ثقتنا لا في الكراسي التي نجلس عليها، بل في القدرة على النهوض إذا سُحبت تلك الكراسي. أن نثق في العضلة الفكرية والعاطفية التي تبني توازننا كلما تحرّك بنا القارب. أن نتدرّب على النظر إلى الأمام بجَسارة، وإلى الخلف بامتنان، وإلى اللحظة الراهنة بفضول طفل يلمس الماء لأول مرة.

إذا وجدت في هذه السطور صدى لتجربتك، فدعنا نبدأ الرحلة معًا. امسك بيد ليث وهو يخطو حافيًا إلى النهر، استمع لصوت الماء البارد وهو يهمس أن لا شيء يبقى، ثم ارفع بصرك إلى السماء لتدرك أن النجوم التي تلمع فوقك اليوم ليست النجوم نفسها التي أضاءت ليلتك الأولى. وبين ضفتين متقابلتين، ضفة الخوف من التبدل وضفة الشغف بالاحتمال، سنبني جسرًا من صفحات، خطوة وراء خطوة، حتى نصل إلى حيث يصبح الوهم واضحًا وحيث يبتكر كلٌ منا حكايته الجديدة عن الذات والحركة.

أرجو أن تمضي معي في هذا الطريق، لأن النهر الذي يلمس قدميك الآن لن يلمسه مرة أخرى، ولأن اللحظة المقبلة تنتظر أن تُكتب، ولأنك ـ وأنت تقلب الصفحة التالية ـ قد تبدأ أنت أيضًا بتفكيك وهمك الخاص في الثبات.