
بداية أعزائي القراء ...
أعزائي المتابعين، إنه لمن دواعي سرورنا أن نقدم لكم تفاصيل عن الفصل الأول من رواية "الكوجيتو" التي أبدعها الباحث الفذ فادي جميل سيدو. في هذا الفصل الأول، نجد الكاتب يستعرض رؤيته الفلسفية العميقة من خلال رحلة بطل الرواية الذي يعيش في حالة من التساؤل المستمر حول ماهية الوجود والحقيقة. سيدو يستخدم أسلوبه الأدبي الرفيع ليسحب القارئ إلى عالم مليء بالتحديات الفكرية والتأملات العميقة. تتشابك في السرد عناصر الواقع مع الخيال، مما يخلق تجربة قراءة تتميز بالإثارة والتفكير العميق. عبر هذا السرد المحكم، يجتذب الكاتب الانتباه إلى مستوى آخر من الفهم والتحليل، مشجعًا القارئ على تجاوز الحواجز التقليدية للقراءة والانغماس في حوار داخلي مليء بالأفكار الفلسفية والوجودية. بهذا، لا تصبح الرواية مجرد سلسلة من الأحداث، بل دعوة مفتوحة لاستكشاف العوالم الداخلية وإعادة التفكير في المسلمات اليومية.
تخيَّل معي تلك اللحظة الأولى حين تتقدَّم خطوة واحدة فقط، خطوة صغيرة ولكنّها حاسمة، فينعكس ضوء الصباح على صفحة المياه الصافية، فتشعر بأنّ العالم كلَّه انكمش في تلك البقعة الضيِّقة بين جلدِك البارد والماء الأكثر برودة. أريدك أن تكون هناك معي، أقف إلى جوارك، أُشير بيدي إلى سطح النهر الصغير وأهمس: «انظر جيِّدًا… الأمور ليست كما تبدو». إنّه المشهد الافتتاحي لحكاية ليث، غير أنّه أيضًا مرآة لما يحدث لكلٍّ منّا عندما نمدُّ قدمنا نحو المجهول. ربّما ظننتَ قطرة الماء مجرّد قطرة، ولكنني هنا لأؤكّد لك أنّ قطرةً كهذه يمكن أن تُعيد ترتيب أفكارك عن الزمن والهويّة والذاكرة.
أقف الآن على الضفة التي حفظتُ تضاريسها بذاكرتي، لكنّي في الوقت نفسه أراها بريّة كأنّي ألتقيها للمرّة الأولى. أنت، إن كنت قد عدتَ يوماً إلى مكان نشأتك، تعرف جيّداً هذا التضارب: العين تقول «هذا مألوف»، بينما الجلد يقشعرّ وكأنّ الغريب يقترب. اليوم أعود إلى النهر الذي تشكَّل على ضفافه معظم ما أسمّيه «أنا»، وفي اللحظة التي لامس فيها جلدي برودة الماء بدا لي أنّ كلَّ شيءٍ كان ينتظر هذه اللمسة كي ينهار أو ينهض من جديد.
حين يصف الأدباءُ البردَ، كثيرًا ما يكتفون بكلمات مثل «لسع» أو «قَرص»، لكن أُحبُّ أن أمضي أبعد من ذلك. أحاول أن أُقرِّبك من التجربة قدر الإمكان، لأنَّ كلّ ما سيأتي لاحقًا يتّكئ على تلك اللحظة الحسيّة الخالصة. تخيَّل أنَّ جلدك نفسه يتحوَّل فجأة إلى آلاف المجسّات الدّقيقة. تتقلَّص الأوعية الدمويّة في قدَمك، فينبعث إشعارٌ عاجل إلى دماغك: «احذر! هُنا خطرٌ غير مألوف». يلتقي تفاعُل الجسد هذا بنداءٍ قديم يسكن عمقك: الخوف من التغيير. نحن وأنفسنا نميل إلى الدفء والاستقرار، إلى تلك المساحات التي تبدو مألوفة وتَعدنا بأمانٍ وهميّ؛ لكن مجرّد خطوة واحدة تُعرّينا من نتائج ذلك الاستقرار المزيّف.في تلك اللحظة بالذات، ارتعشت أصابع ليث وتمسّك لا إراديًّا بجذع شجرة عند الضفة، كأنَّه يطلب شهادة شجرةٍ صامتة على ما يمرُّ به. أنا وأنت قد نضحك من فِعلٍ كهذا ونسميه «مبالغة»، لكنَّ الحقيقة أنَّ الإنسان حين يواجِه المجهول يتشبّث بأيّ أثرٍ يوحي بالثبات، ولو كان لحاءً خشنًا يحمل آثار الزمَن أكثر ممّا يحمل طمأنينة.
دعني أوضح لك الصورة: الريح ذاتها التي كانت تلاعب شعري وأنا في السادسة تهبّ الآن، وتحمل معها رائحة الطين المبلّل نفسها، غير أنّ النهر يصدر خريراً أخفتَ حدّته السنوات الطويلة أو ربما أخفتها الذاكرة. حتّى صراخ العصافير بدا متردّداً، كأنها هي أيضاً تتساءل: هل ما يزال ليث الطفل هنا، أم أنّ رجلاً غريباً انتحل شخصيّته؟أنا وليث شخص واحد، تقول لي المنطقية البسيطة. غير أنّ أصابع قدمي المشدودة تستيقظ في الماء على دهشةٍ تستحيل معها هذه الجملة بدهيةً. هناك فرقٌ بين معرفة أنّ النهر لا يتكرّر، وبين أن تحسّ ذلك ببرودةٍ تهجم على العظم.

هنا يبدأ التشابك، وأقصد تشابكَ الأزمنة، فالأمر أبعد من لقطةٍ سينمائيّة جميلة عن قريةٍ هادئة. ليث، وهو في أواخر العشرينات، يقف ليث ظنّ أنّه يعرفه: النهر نفسه، الحجارة نفسها، أصوات العصافير القريبة من نخيلٍ برّيّ. لكنَّه يُباغَت بصورةٍ قاتمةٍ تأتيه من سنواتٍ بعيدة: سبع سنوات من العمر، صُحبةُ جدّه، كتابٌ أصفر اللّون مُثقَلٌ بالهامش والتحقيقات، وجملةٌ إلى الآن تقرع سمعه: «هذا الماء ليس هو نفس الماء الذي رأيته أمس». كم مرّةً سمعتَ عبارةً عابرةً فالتصقت بجدران عقلك دهورًا؟ نحنُ نظنُّ أنّ الكلمات تذهب مع الريح، لكنَّ بعضها يحفر أخدودًا سرمديًّا في ذاكرتنا بحيث يكفي محفّزٌ جسديٌّ بسيط، كبرودة الماء مثلًا، لتتفجَّرَ الذكرى كاملةً.ما يعنيني أنا وأنت، أنّ هذه الذكرى ليست مُجرَّد حنينٍ إلى الطفولة. إنّها دليلٌ حيٌّ على ما يحاول هذا الكتاب أن يناقشه: هل نحنُ فعلًا الكائنُ نفسُه عبر الأيّام؟ ليث ذاته الذي يضع قدمه في الماء اليوم ربّما يشبه صورةً حملها عن نفسه أمس، ولكن أهو «هو» حقًّا؟ ستُخفّف هذه الفكرة من حدّتها إذا شاركتُكَ واحدةً من تجاربي الشخصيّة: في فترةٍ ماضيةٍ كنتُ أُدوِّن يوميّاتي بدقّة، وحين أعود لقراءة ما كتبتُ قبل بضع سنوات، أُصدم بأنّي لا أتعاطف أحيانًا مع ذاك «الكاتب» القديم. أشعر أنّه شخصٌ آخر، يتحدّث بلسانٍ يشبه لساني لكنَّه لا يُمثّلني تمامًا. أُخبرك بذلك حتى تتأكّد أنّ تجربة تفتّت الهويّة ليست حِكْرًا على فيلسوفٍ أو بطل رواية؛ إنّها ظاهرةٌ نعيشها جميعًا ولكننا نتجاهلها حبًّا في وهم الثبات.
حين أغمس قدمي، ينسحب الدم من أصابعي كرهينةٍ تُسلَّم لشروط الطقس. لا مجال للمقايضة؛ الماء يُملي الحُكم: «تغيّرْ أو انسحبْ». أتذكّر وصيّة جدّي حسين: «هذا الماء ليس هو الماء الذي رأيته أمس». كنتُ أبتسم لصياغته الشعريّة وأعتبرها حيلةً تعليميةً لا أكثر. اليوم، وأنا الرجل الذي ظنَّ أنّه تدرّع بالعلم والخبرة، ينكشف لي أنّ الحكمة القديمة لم تكن استعارة.أقول لك بصدق: إنْ أردت مختبراً حقيقياً لفكرة التغيّر الدائم، فلا تبحث في الأوراق الأكاديمية؛ ضَعْ قدمك في جدولٍ يركض منذ ملايين السنين، ثم قِفْ ساكناً ثانيةً، وستسمع الفلسفة كلَّها تتكثّف في نبض شرايينك.
قبل أن يُكمل ليث غمسهُ الكامل، تردّد لثانية، ثم انسحب قليلًا إلى الوراء، كمن يُعيد التفاوض مع نفسه: هل المضيُّ إلى الأمام يستحقُّ هذا الذهول الحسيّ؟ في تدريبات الإدراك الحِسّي التي أتلقاها وأُلقيها، نمارس تمرينًا مشابهًا: «خطوة، ثم توقُّف، ثم سؤال: ما الذي أشعر به الآن؟». مصدر القوّة هنا أنّك تُبطئ الزمن؛ فتمنح نفسك نافذةً لرصد الأصوات الخفيّة التي تتحدّث بداخلك. ليث في تلك الثواني كان يمسك بحبلٍ بين عالمين: عالم الذاكرة الآمنة الهادئة، وعالم الحاضر المراوغ.لاحظْ معي: كان يستطيع أن يُغطي خوفه بمزحةٍ أو يتجاهل البرودة ويقفز إلى الماء دفعةً واحدة، لكنّه قرَّر أن يتعامل مع التناقض وجهًا لوجه، وهذا أحد التفاصيل التي تجعل قصّته جديرة بالوقوف. نحنُ عادةً نملك نزعةً دفاعيّة: حين يضربنا الشكّ نسارع إلى تشتيت أنفسنا. نقوم بفتح هاتفنا، أو نستمع إلى أغنية لطيفة، أو نأكل قطعة حلوى. أمّا ليث، فقد انتظر. وضع خوفه على الطاولة، تفحّصه، ثم سمح له بالتنقّل بين ضلوعه. أنا متأكد بأنّك جرّبت مرةً على الأقل تلك البطولة الصغيرة حين تواجه ألمًا فلا تلجأ إلى مُسكّنٍ ذهنيٍّ سريع، بل تسأله: «من أين جئت؟ وماذا تريد؟».
أعرف أنّك قد تتساءل، كما تساءلتُ أنا: وما الخطير في الأمر؟ الناس يستمتعون بالمياه الباردة على الشواطئ كلَّ صيف. السرّ يكمن في التوقيت: كنتُ عائداً لتوّي من مدينةٍ فقدتُ فيها وظيفتي، من حياةٍ حاولتُ فيها أن أجعل كلَّ شيء قابلاً للتنبّؤ، تماماً كما تضبط ساعةَ يدك كلَّ صباح. وها هو النهر يعيدني إلى الصفر: أنتَ كائنٌ موقّت، يقول لي، ولسوف تُدفَع دائماً إلى حافةٍ جديدة.البرودة، إذن، لم تكن مجرّدَ إحساسٍ جسدي؛ كانت إعلاناً: الثباتُ وهم، واللحظة التي تظنُّها استمراراً لما قبلها تحمل في جوفها انقطاعاً حادّاً.

إن شاء عقلك أن يصف هذه الصفحات بالإنشاء الطوباوي، سأدعوك أن تجرّب ما فعله ليث صباح ذلك اليوم. فبينما كان يحدِّق في انغماس قدمه، بدأ الماء يصعد ببطءٍ فوق كاحله فركّز عينيه على الدوّامة الصغيرة المُتشكّلة حول إصبعه الكبير. الماء يندفع، يتقهقر، ثم يعيد تشكيل نفسه ثانية. قال في سرّه: «هذا الكائن الشفّاف يُمارس التحوّل بلا جهد». هل تتحدّث إلى الماء؟ نعم، لأنَّ الحديث هنا لا يحتاج إلى مفردات؛ يكفيك مِزاجٌ متعاطف مع الظاهرة التي أمامك. لو أنّك جلستَ إلى جوار نهرٍ في إحدى رحلاتك، ستكتشف بعد دقائق أنّ الصمت نفسه يغدو لغة. إنّك تبدأ بالإصغاء إلى حركة الأشياء لا إلى حروفها.في تلك المحادثة الصامتة تلقّى ليث درسًا مختصرًا فاقَ ما يمكن لكتابٍ أكاديميٍّ مفصّلٍ أن يقدّمه. لاحظ أنّ سطح الماء لم يكن ساكنًا لحظةً واحدة، ومع ذلك بدا النهرُ في كلِّ لحظةٍ «هو» نفسه. هل هناك تناقض؟ نحن نقول «النهر» كما لو كان شخصًا يحتفظ ببطاقة هُويّة، لكن الحقيقة أنّه تجمّعُ جزيئاتٍ لا تُحصَى، تتغيّر كلَّ ثانية، ورغم ذلك نُبقي على الاسمِ واحدًا. هكذا نفعل مع أنفسنا أيضًا: نمنح ذواتنا اسمًا وصورةً ثابتةً ونظنُّها أصلًا لا يتبدّل، بينما جزيئاتُ حياتنا تنساب عبر العروق كما ينساب الماء بين الحجارة.
أُحبُّ أن أفتح قلبي لك قليلًا هنا؛ لأنّ الكتاب إنْ لم يحمل أثرًا شخصيًّا سيفقد حرارة الحياة. لقد أخذتُ عادةً في صغري أن أزور البحر مع والدي فترة الغروب. وكنّا، مثل أيّ أبٍ وابنه، نواصل بناءَ «قلاعٍ رمليّة» بمرحٍ غامر، ثم يجيء الموج ويهدمها في ثوان. أتذكّرُ بوضوحٍ ذلك الإحساس بالغبن: لماذا أفنيتُ طاقتي إن كان المصير أن تنمحي معالمُ ما صنعتُه؟ والدي قال حينها شيئًا شبيهًا بوصيّة جدِّ ليث: «الموجُ يعلمك ألّا تتعلّق». مرّت الأعوام لأفهم أنّ القلعةَ نفسها لم تكن الهدف، بل اللحظةُ التي صنعناها خلالها. عندما تدرك تلك الحقيقة تبدو لك الأشياء الثابتة مجرّد خدعة شعرية لطيفة.ليثٌ أيضًا انكمش من برودة الماء، لكن ما أثقل كاهله لم يكن الصقيع، بل إدراكٌ صاعق: طوال السنوات التي قضاها في المدينة، اعتقدَ أنّ باستطاعته حماية نفسه من التبدّل إذا التزم روتينًا صارمًا؛ مكتب في البنك، أرقام محفوظة، طقوسٌ مسائيّة من الأخبار والعشاء الخفيف. ثم حضرت التقنيات الجديدة فتلاشت وظيفته في ومضة. كان ليث يشبه ذلك الطفل الذي يبني قلعة رملية جاءت مَوْجةُ الأتمتة فهدمتها بأدبٍ فولواذيّ. قد تقول لي: «هذه بديهيّات العصر». أعلم، ولكن إدراك المرء لحقيقةٍ معروفة يختلف تمامًا عن معايشتها في جسده وروحه. حين تمسُّك بالتفاصيل التافهة يوصَل إلى نقطة انكسار، يتخلى العقل مضطرًّا عن فكرة السيطرة.
هل جرّبتَ في طفولتك أن تضغط بإصبعك على صفحة الماء؟ الصورة المنعكسة تهتزّ، لكنّها تعود لتستقرّ بسرعة، فتظنّ أنّ لا شيء تغيَّر. اليوم، وأنا أسمع صوت العشب تحت قدمي اليابسة وأشعر بخيوط الماء تحفُّ بكاحلي، أدرك أنّ الاهتزاز الذي تخلّفه لحظةٌ واحدة قد يظلّ يتموّج بعيداً في الداخل، في الأعماق التي لا تراها العين.أين انعكاسي الحقيقي؟ في وجه الماء الذي يتكسّر، أم في انطباعي الذهني الذي يتوهّم تماسكاً مستمرّاً؟ أرفع رأسي فأرى مجرى النهر ينحني عند منعطفٍ صغير؛ كأنّه يختفي ثم يولد من جديد. تشجّعني الحركة على أن أنظر إلى نفسي بعينٍ أخرى: ليث الذي كان، ليث الذي هو، وليث الذي قد يصبح، ثلاثتهم يقفون على الضفّة نفسها لكنّهم لا يحملون جوازَ الهوية ذاته.
في الدراسات المتقدّمة لعلوم الإدراك هناك فرضيّة تُدعَى «اللحظة الممتدّة». ما معناه أنّ إدراكنا للآن لا يقتصر على ثانيةٍ رياضيّةٍ مجرّدة، بل يشمل «نافذة» تقدَّر بأجزاءٍ قبل الثانية وأجزاءٍ بعدها، فيذوب الحدُّ بين ما كان وما سيكون. ليث، وهو يبحث عن توازنه فوق حصاةٍ مائلة، عاش هذه التجربة حرفيًّا: الدقيقة الواحدة انقسمت إلى شجرةٍ من اللحظات، كلُّ لحظةٍ منها كانت بندًا من أسئلةٍ متلاحقة: «هل أواصل؟ هل أعود؟ من أنا إنْ تقدّمت؟ من سأصير إنْ انكفأت؟». جماليّة القصة هنا أنّك ترى «التغيير» متلبِّسًا جلد الإنسان، لا مجرَّد مصطلحٍ على ورق.وأنت، قارئي العزيز، هل عشتَ هذه الشجرةَ من الأسئلة يومًا؟ ربما حين كنتَ على وشك اتخاذ قرارٍ مصيريٍّ في مسارك المهني، أو عندما تردّدتَ بشأن علاقةٍ إنسانيّةٍ أثقلت روحك؟ الخطأ الشائع أنّنا نتصوّر هذه اللحظات متّصلة بحدثٍ فخمٍ مسرحيّ، بينما يحدث التبدّل الكبير أحيانًا في تفاصيلَ واهنةٍ: نظرةٌ خاطفة من غريب، أو برودةُ قطرةٍ واحدةٍ على الجلد.
لم يكن كلُّ شيء قد تبدّل؛ ثمّة صخرةٌ ضخمة عند منتصف المجرى ما زالت تحتلّ مكانها، كما فعلت حين كنتُ أقفز عنها لأتفوّق على إخوتي. الصخرة بدت لي، لوهلةٍ، حجةً يحتجُّ بها مفهوم «الثبات» على ما يُقال عنه من شكوك. ضحكتُ في داخلي: أليست هذه الصخرة هي الدليل الحيّ على إمكان وجود شيء لا يزحزحه الزمن؟لكنني ما لبثتُ أن تذكّرتُ درس الجيولوجيا: الصخرة نفسها، وإن بدت لي جامدة، تخضع كلَّ لحظة لضغط الماء، تأكل منها التيارات ما يقدر أن يأكل، فتتناقص جزيئات على أطرافها لا تلتقطها العين. الثبات إذن ليس سوى سرابٍ ينجم عن بطء التغيّر؛ لا عن غيابه.تحسّستُ قشرة جلدي المحمرة من البرد، واقتنعتُ أنّ الفرق بين الصخرة وبيني هو فقط في السرعة. ما أجده في ذاتي من تقلُّبٍ سريع يجعلني أسمّيه «تغيّراً»، وما أجده في الصخرة من تحوّلٍ بطيء أخدعه وأسمّيه «ثباتاً». لكن في العمق، المعادلة واحدة: كلّنا يُقضم شيئاً فشيئاً.
أريدك أن تبصر المشهد كاملًا: ليس البرد وحده ما صنع الدهشة، بل رائحةُ الطين المبتلّ وهديرٌ خفيٌّ، تغلغل في أذنَيْ ليث يشبه همسًا طويلًا يكرِّر مقطعًا واحدًا: «انْسَ ما تعرفه». من الناحية الفيزيولوجيّة، يجتمع الشمّ والسمع والبصر واللمس في قشرة الدماغ حيث تُكوَّن «خريطةٌ متعدّدة الوسائط» للمحيط. حين تتكثف المؤثّرات، يشعر الشخص بفقدان الحدود، كأنه امتزج بالمكان بدل أن يرصده من الخارج. هذا ما جعل ليث يترنّح محدّثًا نفسه: «لستُ أنا وحدي… هناك شيءٌ أكبر يتحرّك». وربّما تشعر أنت أيضًا بشيءٍ شبيه حين تتأمّل مشهد غروبٍ عنيف الألوان أو تصغي إلى مقطوعةٍ موسيقيّةٍ انفجرت بأوركسترا كاملةٍ في سماعاتك.في تلك الثواني اكتشف ليث أنّ الماء ليس سوى وسيطٍ يجرّه إلى رحاب الوجود كلِّه. البعضُ يسمّي هذا «التجربة الاستغراقيّة» أو «Flow State». لكنّي أُفضّل تسميته في السياق الحالي «انزياح الهويّة»، لأنّك حين تفقد الحدودَ بينك وبين محيطك يبدأ سؤال «من أنا؟» في الذوبان تدريجيًّا. إنَّه ذوبانٌ قد يخيف أو يحرّر، بحسب استعدادك النفسي.

ترى، ماذا كان جَدّي سيقول إن رآني في هذه اللحظة؟ أسمَع صوته كأنّه يخرج من تجاويف الوقت: «يا بُنيّ، لا تحزن على وظيفتك الضائعة، اسألْ نفسك: ماذا لو كان الفقدُ هو الطريق الذي يعيدك إلى مشاهدة هذا النهر؟» أجدني أجيبه بصوتٍ مسموعٍ رغماً عني: «ولكنّي خائفٌ يا جَدّي. خسرتُ راتبي وصورتي أمام نفسي، والمدينة تركتني عالقاً بين الخوف والغضب.» تتردّد أصداء كلماتي، وتختلط بخرير الماء، فيتحوّل الخوف نفسه إلى إيقاعٍ موسيقيّ.أقول لك الحقّ: لم أكن أتوقّع أن تتحوّل محنةٌ اقتصاديةٌ إلى مسرحٍ ميتافيزيقيّ، لكنّ العالم حين يريد تعليمك درساً يخلط الكمبيالات بأسرار الكون بلا تردّد.
لا بدّ من الاعتراف: ليث لم يركّز على الفلسفة بشكلٍ مباشرٍ آنذاك؛ لم يقل مثلًا: «أنا الآن أعيش مفهوم هيراقليطس». بل كان ببساطةٍ يواجه انهيارَ التصوّر المطمئن عن ذاته المستقلّة. وهذا درسٌ مهمٌّ لأنّنا نميل إلى الظنّ أنّ الإدراك العميق يحتاج إلى جلسة تأملٍ في ديرٍ بعيد أو إلى قراءة نصٍّ كلاسيكيّ. الحقيقة أنّ الوعي يطرق بابك في اللحظة الأقلِّ توقّعًا. وربّما أنت جالس الآن، بادي الانشغال بسطور هذا الكتاب، ستفاجأ بعد قليلٍ أنّ جملةً واحدة قد تزلزل أسسَ ما بنيته عن نفسك سنين طويلة.ليث تحرك من موقف «الرغبة في الفهم» إلى موقف «الرغبة في النجاة»، ثم عاد إلى «الرغبة في الفهم» مرّةً ثانية. يشبه الأمر موجةً تضرب الصخر ثم تتراجع، لتعود أشدّ. وهذا التوهج الفوريّ سببه أنّ الأنا حين تُستثار تَسعَى إلى إعادة تثبيت صفحات هويتها بسرعة، لكنها تعجز حين ترى صفحاتها نفسها تموج في تيّار العالَم.
نص كفي تلك الوقفة القصيرة، اكتشفتُ أنّ الميتافيزيقا لا تُصاغُ دائماً في العقول وحدها؛ أحياناً يكتبها الجلد الملامِس للماء، أو البصر الذي يلتقط حركة ورقةٍ تجرفها التيارات. كلُّ ما تحتاجه كي تشرع أسئلتك في التشعّب هو الشعور بأنّ ما ظننته ثابتاً قد ارتجّ تحت قدميك.فكّرتُ فيك، أنت الذي تقرأني الآن، وسألتُ نفسي: هل لا تزال هناك لحظة لم تَفقدك شيئاً تصوّرت أنه للأبد؟ موتُ قريب، خسارةُ علاقة، انهيارُ مشروعٍ حلمت به طويلاً… أشدّ على يدك؛ أعرف وقع الألم، غير أنّي أتعلّم هنا أنّ الألم ليس سوى الوجه الحادّ لحقيقةٍ أطرى من الريح: كلّ شيءٍ ينساب، ونحن نحاول تبطيء الفيلم كي نستوعبه.مثال
عندما تشرع في الغَرْف من الماء بكفّك، ستلاحظ أنّ الكميّة التي التقطتها تتسرّب بين الأصابع. إن حاولتَ ضمّها أكثر، هربتْ أسرع. هكذا تبدو اللحظات مع من يُحاول تثبيتها. ليث مدّ يده، جَمَع قليلاً من الماء لغَرْفِه على وجهه، وما أن رفع كفه حتى تسرّبت نصفُ الكميّة. ضحك، ليست ضحكةَ ظرفٍ بل ضحكةَ مَن اكتشف فجأةً أنّ محاولته للتحكّم عبثيّة. سأل نفسه: «هل أستطيع أن أدَّعي امتلاكَ شيءٍ لا يُمتلَك؟». تلك كانت أوّل لحظةِ تسليمٍ حقيقيٍّ تعصف بأنظمة الوقاية الداخلية.لربّما تسأل: «مدى أهميّة هذا التسليم؟». أجيبك من واقع تجاربٍ شخصيّةٍ وجلساتِ حوارٍ أجريتُها مع أشخاصٍ يمرّون بأزمات تحوُّل: ما لم تُحرّر الطاقةَ التي تُنفقُها في المقاومة، ستبقى عالقًا بوهم ما تملك. وستُحرم تباعًا من رؤية الاحتمالات الجديدة. هذا الدرس سيحمله ليث معه إلى باقي الفصول، وستراه يلمع في كلِّ قرارٍ مستقبليٍّ يُقدِم عليه.
بين وبرودة الماء، تذكّرتُ أوّل درس سباحةٍ تلقّيته هنا. كان أبي يضحك حين يراك تضرب الماء بذراعيك كأنك تحارب عدوّاً خفيّاً. قال يومها: «لا تقاوم، تعلَّم أن تطفو.» لم أفهم آنذاك أنّ الطفو ليس استسلاماً، بل اتفاقاً مع طبيعة المادّة: إذ تتقبّل الماء، يحملُك. أمّا إن صرختَ في وجهه فستغرق.المفارقة أنّي اليوم أغرق في أسئلةٍ عن الهوية والثبات، بينما الدرس ذاته يهمس إلي مرة أُخرى: تَقبّلْ، ولا تقاتل سَيْر الماء.

كان الهواء بارداً بما يكفي ليجعل أنفاسي تتكاثف سُحباً صغيرةً أمام وجهي. أحسستُ الزمن يقف بجانبي كتلميذٍ خجول، يلتفت نحوي منتظراً السؤال المناسب. فاجأته بالسؤال الخطأ: «لماذا تتغيّر الأشياء؟» ابتسم الزمن، وتجاهلني. يبدو أنّ الإجابة كامنة في السؤال ذاته: لو لم تتغيّر الأشياء لما كنّا سنخترع كلمة «زمن» أصلاً.أحبُّ دائماً أن أجسّد المفاهيم كي أفهمها؛ فأرى الزمن سائقَ قطارٍ لا يستطيع التوقّف، والمكان منصةً لا تكفُّ عن الانزلاق، ونحن الركّاب الذين يظنّون أنّ مقاعدهم ثابتة ما داموا لا ينظرون من النافذة. النهر أجبرني أن أنظر، فاهتزَّ المقعد.
لحظةُ رفع القدم من الماء كانت كشفاً ثانياً: البشرة التي تبتعد الآن عن السطح لم تعد هي نفسها التي انغمست قبل ثوانٍ. دقائقٌ قليلةٌ كانت كافيةً لأن ينكمش الجلد ويتغيّر لونه ويتسارع نبضه، ومعه تتبدّل خريطتي الداخلية. جسمي ليس وعاءً جامداً؛ هو تاريخٌ ميكروسكوبيّ تحكمه ملايين الأحداث الكيميائية والكهربية في كلّ ثانية. أنا عمليّاً كائنٌ جديد في اللحظة التي أكتب فيها هذا السطر.أراك تهزّ رأسك ابتساماً: «هذه معلومات بيولوجيّة معروفة»، تقول. غير أنّ التجربة حين تنزل إلى الحواسّ تكرّس معرفتها في موضعٍ أعمق من المعجم العلمي. هناك، تحت الكلمات، تتشكّل الدهشة الحقيقية؛ دهشة أن تكتشف أنّ اسمك وعنوانك وسجلك المدني ليست سوى إشاراتٍ تقريبيّةٍ إلى ظاهرةٍ متحرّكةٍ باستمرار.
أعترف لك: ثمة جزءٌ من روحي كان يصرخ في داخلي مطالباً بإيقاف كلِّ شيء. تبدو الثورة على التغيّر أحياناً أسرع الحلول: «لتبقَ المياه كما هي. لتعود الوظيفة كما كانت. ليُمهَل الكون عشر دقائق يلتقط فيها أنفاسه!» لكنّ الجزء الآخر، ذاك المتحوّل الذي استيقظ تحت الجلد، كان يجيب: «سيختنق الكون إن تكفَّ عن التنفّس. حركته شهيقه وزفيره، وأنت شظيّة من ذلك الصدر الهائل.»الحنين إذن ليس عدواً، بل صديقٌ ساذجٌ يحاول حمايتك من هول المجهول. وخير ما تصنعه مع صديقٍ ساذج هو أن تشكره، ثم تمسك يده وتريه المنظر من نافذة القطار وهو منطلق. المنظر يخيفه أوّلاً، لكن إن تركته ينصت، يسمع موسيقى جديدةً في صوت العجلات.
على الضفّة الأخرى من النهر، كان ثمّة جسرٌ خشبيٌّ قديمٌ تهدّم جزئياً في فيضانٍ سابق. وأنا صغير، كنتُ أراه كبوّابةٍ إلى غابةٍ أسراريّة. اليوم اختفى ثلثاه، وبقي ثلثٌ يتدلّى كعظمٍ مكسورٍ من مفصل نهرٍ جارح. قفزَ قلبي يريد أن يعيد بناءه فوراً، كأنَّ المحافظة على الجسر محافظةٌ على الطفولة.لكنني توقّفت: لماذا أعجل إلى إعادة ما كُسر؟ أليس الكسر أيضاً حركةً من حركات الحياة؟ ربما يختبئ في هذا العظم المكشوف وعدٌ ببناء جسرٍ أمتن، أو ربما لا نحتاج جسراً أصلاً لأنّ تضاريس الضفّتين تغيّرت حتى بات العبور غير ضروريٍّ كما كان. الترميم المبكر قد يتحوّل إلى تمسُّكٍ بصيغةٍ شاخت.حين تفكّر في حياتك، في ذلك المشروع الذي انكسر، أو العلاقة التي تصدّعت، اسأل نفسك: هل أصلحه لأنّه فعلاً ضروريٌّ اليوم، أم لأنّ شبح الأمس يملي عليَّ حنيني؟
أتذكّر درس الكيمياء عن الطاقة الحرّة: النظام المادّي يسعى إلى الحالة الأدنى من الطاقة، أي إلى الاستقرار، لكنّ الاستقرار لا يعني الجمود، بل يعني التوزيع الأكثر كفاءةً للطاقة داخل النظام. نحن أيضاً مثل تلك الجزيئات، نتحرّك ونُعيد التموضع، لا طلباً للفوضى، بل بحثاً عن استقرارٍ أعمق من ثبات السطح.فجأةً بدت لي مشكلتي مع فقدان الوظيفة جزءاً من هذا «التوزيع». ما ظننته فوضى قد يكون محاولة الكون أن يدلّني على حالةِ طاقةٍ أخفّ، أرشق، أكثر اتساقاً مع ما أصبحتُه الآن. الوظيفة القديمة كانت تناسب ليثَ الذي تخرّج حديثاً، فماذا عن ليث الذي عاش عشر سنواتٍ من الخبرة والأحلام المجهَضة؟

تقدّمتُ خطوةً، حتّى صارت ركبتاي تحت الماء. الألم في البداية حادّ، ثم بدأ يخفت شيئاً فشيئاً مع تكيُّف الأعصاب. يخبرك الأطباء أنّ النهايات العصبية تتعطّل مؤقتاً تحت البرودة القاسية، لكني أحسستها إعادةَ ولادةٍ صغيرة: الألم نفسه مُعلِّم، يذكّرك بأنّ الجسد أداة استكشاف، وأنّ الخوف إشارة إنذارٍ لا سلاسل حديديّة.حين بلغتُ العمق الذي كنتُ أبلغُه شاباً، تردّدتُ قبل أن أغوص. جزءٌ مني مذعور: «أنت في الثامنة والعشرين الآن، لستَ صبياً لا يخشى على عضلاته من التشنّج». لكن الصوت الآخر سبقني وغمر الرأس كلَّه تحت الماء. للحظة، تلاشت الأصوات في الخارج، وانقبض العالم إلى قُبّةٍ شفّافةٍ يملأها خريرٌ مكتوم. في تلك العزلة المائيّة سمعتُ نبض قلبي كما لم أسمعه من قبل. لا أعرف إن كان القلب أسرعَ فعلاً، أم إنّ عُزلة السمع ضخّمت إيقاعه. المهمُّ أنّي سمعتُ الحياة في أبسط معانيها: ضرباتٌ منتظمةٌ تشقّ الصمت كي تقول إنّني ما زلتُ هنا.
خرجتُ وأنا ألهث، وشعري يقطر، والعالم يستعيد أصواته دفعةً واحدةً كما يُرفع ستارٌ عن مسرح. التساؤل الأوّل كان مادياً: كيف سأدفئ نفسي؟ لكنّ السؤال الذي لحقه فوراً كان أنطولوجياً: كيف سأصنع موطئ قدَمٍ في هذا الوجود إنْ كان كلُّ شيءٍ يتحرّك؟ هل ثمّة أرضٌ صلبةٌ على الإطلاق، أم أنّنا، كما قال أحد حكماء الفيزياء، نقف على سجّادة هوائيةٍ من الاحتمالات؟أعرف أني لن أجيب عن هذا السؤال الآن. لكن ما أعظم نعمةَ أن تدرك السؤال في صيغته الدقيقة؛ فذلك وحده كفيلٌ بهدم الكثير من أوهام الإجابات الجاهزة.
خرجتُ إلى الضفة، جفّفتُ جسدي بما تيسّر من الهواء وحركة الذراعين، ووقفتُ أواجه الشمس التي انسلّت من غيمةٍ ثقيلة. لُدغتْ بشرتي بحرارتها، فشعرتُ بتقابلٍ شبيهٍ بما حدث في الماء: البرد يعلّمك شيئاً، والحرارة تكمل الشرَح. بينهما منطقةُ توازنٍ ديناميكيّ، أشبه بما يحدُث في أرواحنا بين الحزن والفرح، الخسارة والربح، البداية والنهاية.تركتُ الشمس تشرح لي فكرةً بسيطة: لا يمكنك امتلاك مفهوم «الدِفء» ما لم يختبر جلدُك نقيضَه. لولا التغيير المتأرجِح ما عرفتَ اسماً لما تشعر به. حتى اللغة، إذاً، تنهار بلا حركة.

تجمّدت قدماه بعد دقائق، فتراجع نصف خطوةٍ إلى الشاطئ، شاكراً الشجرة الصامتة التي منحته توازنًا أوليًّا. غير أنّ خروجه من الماء لم يكن هروبًا، بل اعتلاءً لزاوية رؤيةٍ أوضح. حين تبتعد قليلًا عن المشهد، تدرك أبعاده، ثم تعود فتخوض فيه بوعيٍ أعمق. هكذا أطلَّ على النهر داخله أيضًا: تيّارٌ من الذكريات، الوظيفة الضائعة، المدينة التي تغيَّرت، الجَدُّ الذي رحلَ مصحوبًا بعبارةٍ واحدةٍ بقيت نفّاذة.وأنت، لستَ مضطرًّا للغوص في أنهارٍ باردةٍ كي تعيش التجربة نفسها. قد تكتفي بأن تُدرّب حسّك على رصد لحظةٍ عابرةٍ تُغير حرارة جلدك. ربما ستضع يدك على سورِ شرفةٍ في ليلةٍ شتائيّةٍ فتدرك أنّك لستَ الشخص الذي كان يقف هنا أمس. المهمّ أن تعطي الفرصة لسؤالٍ ظاهرِ البساطةِ عمقهُ بحجم الكون: «ما الذي تغيَّر فيَّ وأنا لا أُلاحظ؟». تنتهي قصتنا الآن عند ضفّة النهر، لكن بذرةً زُرعت لتوّها. بذرةُ شكٍّ خلاقٍ سيقود ليث، ويقودنا معه، نحو مغامرةٍ لا تُحْتَمَل أحيانًا ولا غِنى عنها أبدًا.
وأنا أرتدي حذائي لأستعدّ للعودة، خُيّل إليّ أنّ جَدّي يربّت على كتفي كما كان يفعل، ثم يشير إلى الصفحة الأولى في كتابه القديم. لم أكن قد فتحتُه بعد، لكنّي أعرف أيّ جملةٍ تنتظرني هناك: «لا يمكن أن تخطو في النهر مرّتَين». رفعتُ رأسي أبحث عن عينَيْه لأجيبه: «بل لا يمكنني أن أخطو فيه حتّى مرّةً واحدةً وأظلَّ الشخص نفسه». أكتب لك هذه الخلاصة وأنا مستندٌ إلى جذع شجرةٍ توشك أوراقها أن تصبح ذهبية. ربما حين تقرأ أنتَ هذه السطور تكون الورقة الأخيرة قد هوت، فيتحقّق أمامك مشهدُ التغيير عارياً من الزينة. لا بأس. دعْ الأوراق تتساقط لتفسح مكاناً لبداياتٍ خضراء. وأنت، مثل الشجرة، مثل النهر، مثل الصخرة، مشروعُ تجددٍ مستمرّ، وإنْ خُيّل إليك العكس.على هذه الحدود بين الماء واليابسة، بين البرد والحرارة، بين الماضي والحاضر، فهمتُ الدرس الأوّل من «وهم الثبات»: النجاةُ ليست في السعي إلى أرضٍ لا تهتزّ، بل في تعلّم الرقص مع الاهتزاز. شئتَ أم أبيتَ، سوف يتحرّك العالم، فاخترْ أن تتحرّك معه لا ضده. سنواصل الحديث في الفصول القادمة، لكنّي إلى ذلك الحين أدعوك أن تجرّب أنتَ أيضاً: ضعْ قدماً في ماءٍ تعرفه منذ زمن، وأصغِ إلى الحكايات التي يهمسها جلدُك قبل أن تخطو الخطوة التالية.
